خطة تعاقدية لبنانية تهدف لخفض الهدر وزيادة تصدير الفواكه إلى الخليج

خطة

بيروت | الأحد 30 أغسطس/آب 2026 | The Verificat

مقدمة

تحاول وزارة الزراعة اللبنانية نقل جزء من القطاع الزراعي من منطق «ازرع ثم ابحث عن مشترٍ» إلى نموذج يعتمد على معرفة احتياجات السوق قبل بدء الإنتاج. وزير الزراعة نزار هاني أعلن خلال جولة في الشوف أن الوزارة تعمل على تطوير الزراعة التعاقدية وربط المزارعين والتعاونيات مباشرة بالأسواق الإماراتية والخليجية، ضمن متابعة لمخرجات الملتقى اللبناني الإماراتي. الهدف هو تحديد الأصناف والكميات والمواصفات والجودة المطلوبة مسبقاً ثم تنظيم الإنتاج على هذا الأساس، بما يقلل مخاطر التسويق والهدر ويرفع القيمة المضافة للمزارع.

من التواصل إلى عقود فعلية

الزراعة التعاقدية تعني عملياً أن يعرف المزارع قبل الموسم ما الذي يحتاجه السوق وبأي كمية ومواصفات، وربما وفق سعر أو آلية تسعير متفق عليها. هذا يقلل المفاجآت عندما يصل الإنتاج إلى السوق دفعة واحدة وتنخفض الأسعار أو عندما تكون الأصناف غير مطابقة لمتطلبات التصدير. نجاح النموذج يحتاج إلى عقود متوازنة وآليات فض نزاع واضحة حتى لا يتحول المزارع الصغير إلى الطرف الأضعف أمام شركة شراء كبيرة.

قفزة إنتاجية في التفاح

أبرز رقم عُرض خلال الجولة جاء من حقل نموذجي يعتمد أصنافاً حديثة وتقنيات زراعة مكثفة وإدارة علمية للبساتين. وفق المعطيات التي نقلتها الوزارة، يمكن رفع إنتاجية الدونم من نحو طنين في بعض الأنماط التقليدية إلى ما بين 8 و12 طناً، وقد تصل في بعض الحالات إلى نحو 13 طناً. هذه الأرقام لا تنطبق تلقائياً على كل أرض، لأنها ترتبط بالتربة والمياه والصنف والخبرة، لكنها تظهر حجم الفارق الذي يمكن أن يصنعه التحديث الزراعي.

الجودة قبل الكمية

رفع الإنتاج وحده لا يكفي إذا لم تكن الثمار مطابقة لمواصفات السوق. أسواق الخليج تطلب فرزاً وتعبئة وسلسلة تبريد وشهادات صحية ونسباً محددة للمبيدات. لذلك فإن النجاح يحتاج إلى دمج الإرشاد الزراعي مع التوضيب والنقل والاختبارات المخبرية. وإذا استطاع لبنان ضمان جودة ثابتة يصبح المنتج أكثر قدرة على الدخول في عقود طويلة الأجل بدلاً من الاعتماد على صفقات موسمية متقطعة.

سوق الجبل كنقطة تنظيم

وزارة الزراعة تريد تعزيز دور «سوق الجبل» ليصبح منصة لتنظيم وتسويق إنتاج الشوف وربط التعاونيات والمزارعين بالمشترين. وجود منصة تجميع يساعد على توحيد الفرز والتعبئة والكميات، وهي مشكلة مزمنة للمزارع الصغير الذي لا يستطيع وحده تلبية طلب تجاري كبير. كما أن التجميع يرفع القوة التفاوضية للمنتجين عندما يتعاملون مع مستورد أو سلسلة متاجر.

خفض الهدر وكلفة الإنتاج

الإنتاج غير المرتبط بالسوق قد يخلق فائضاً من صنف واحد ونقصاً في صنف آخر، ما يؤدي إلى تلف المحصول أو انهيار السعر. التخطيط التعاقدي يساعد على توزيع المخاطر، ويمكن أن يسمح للتعاونيات بشراء المدخلات جماعياً وخفض الكلفة. لكن العقود تحتاج إلى ضوابط حتى لا يرفض المشتري المحصول لأسباب غير واضحة أو يفرض سعراً لا يغطي كلفة الإنتاج.

الأسواق الخليجية فرصة وليست ضمانة

الإمارات ودول الخليج تستورد كميات كبيرة من الغذاء وتملك قدرة شرائية مرتفعة، لكنها أسواق شديدة التنافس. لبنان ينافس تركيا ومصر والأردن وأوروبا ودولاً بعيدة تملك سلاسل توريد متقدمة. لذلك فإن القرب الجغرافي والسمعة الجيدة لبعض المنتجات اللبنانية يمنحان فرصة، لكن التنافس يحتاج إلى انتظام في الكميات وتغليف احترافي وشحن سريع وسلسلة تبريد يمكن الاعتماد عليها.

تمويل التحديث الزراعي

التحول إلى الزراعة الحديثة يحتاج إلى تمويل لشراء الشتول وأنظمة الري والشباك والمعدات والتوضيب. المزارع الذي يعاني من سيولة ضعيفة لن يستطيع تغيير بستان كامل بمجرد صدور توصية من الوزارة. ولهذا يجب أن يترافق المسار مع قروض ميسرة أو برامج دعم أو شراكات استثمارية، ومع تأمين زراعي يحمي من الصقيع والبرد والحرائق والعواصف.

الأثر على الاقتصاد الريفي

إذا نجحت التجربة يمكن أن تتجاوز فائدتها زيادة الصادرات. الزراعة الأكثر إنتاجية تحتاج إلى عمال وفرز وتوضيب ونقل وخدمات لوجستية، ما يخلق نشاطاً اقتصادياً في القرى. كما أن ارتفاع دخل المزارع يقلل هجرة الشباب من المناطق الريفية. التحدي هو منع تركز الفائدة لدى عدد محدود من المزارع الكبيرة وضمان دخول التعاونيات والمزارعين الصغار بشروط عادلة.

الخلاصة

مشروع الزراعة التعاقدية يقدم مقاربة مختلفة لمشكلة قديمة: بدل إنتاج المحصول ثم البحث عن سوق، يبدأ التخطيط من السوق نفسها. الأرقام المعروضة بشأن رفع إنتاجية التفاح من نحو طنين إلى ما قد يصل إلى 13 طناً للدونم تظهر حجم الإمكانات، لكن النجاح يحتاج إلى جودة وتمويل وعقود عادلة وسلسلة تبريد وتعاونيات قوية. إذا تحولت التفاهمات مع الإمارات والخليج إلى طلبات شراء فعلية، يمكن أن تصبح التجربة نموذجاً قابلاً للتوسع في مناطق لبنانية أخرى.

Exit mobile version