أوبك+ تبقي سياسة الإنتاج لشهر أكتوبر وسط صعود أسعار النفط

The Verificat + رويترز

النفط يقفز مع تسعير المخاطر قبل أي انقطاع ملموس

ارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها منذ ستة أسابيع مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، ما أجج مخاوف من تعطّل شحنات الطاقة عبر الخليج وأدى إلى أن الأسواق بدأت تضيف ما وصفه المتعاملون بعلاوة الخوف على سعر البرميل قبل ظهور أي نقص مادي واسع ومؤكد في الإمدادات.

وبحلول تعاملات السابع من سبتمبر، صعد خام برنت إلى نحو 97.31 دولاراً للبرميل بعدما لامس خلال الجلسة 98.06 دولاراً، وهو أعلى مستوى منذ 24 يوليو، بينما بلغ خام غرب تكساس الوسيط الأميركي نحو 92.65 دولاراً.

وجاءت هذه الارتفاعات بعد جولة جديدة من المواجهات البحرية والتهديدات المتبادلة، تزامنت مع إعلان إيران نيتها فرض منطقة إضافية مقيدة للملاحة قرب مضيق هرمز وتحذيرها من إمكانية استهداف منشآت طاقة في المنطقة رداً على أي ضربات أميركية جديدة.

المؤكد حتى الآن أن علاوة المخاطر الجيوسياسية ارتفعت بقوة. أما حجم النقص الفعلي في صادرات النفط العالمية، فلا يزال أقل وضوحاً من حركة الأسعار نفسها.

وهذه نقطة أساسية: السوق لا تنتظر أن تختفي ملايين البراميل فعلياً قبل التحرك، بل تسعّر احتمال اختفائها.

أوبك+ تبقي سياسة الإنتاج لشهر أكتوبر وسط صعود أسعار النفط

الخوف تحوّل إلى مكون في السعر

في أسواق الطاقة، لا يعكس سعر البرميل فقط حال الإمدادات الحالية، بل يعبّر أيضاً عن الاحتمالات المستقبلية. عندما تُستهدف ناقلة أو تتعرض سفينة حربية لهجوم، أو تُعلَن منطقة بحرية مقيدة، يبدأ المتعاملون فورياً في إعادة حسابات تتعلق بتأخر الشحنات، وارتفاع أقساط التأمين، واستخدام مسارات بديلة، واحتمال تعرض منشآت الإنتاج والتصدير للخطر.

كل من هذه الاحتمالات يضاف إلى ما يُعرف في السوق بـعلاوة المخاطر الجيوسياسية، وهو سبب رئيسي يمكن أن يرفع الأسعار قبل حدوث أي انقطاع فعلي في الإنتاج.

وتجعل حساسيتنا الحالية طبيعة التوتر المتمحور حول الخليج ومضيق هرمز، أحد أهم ممرات تجارة الطاقة العالمية، إذ قد يتحول أي تهديد للملاحة سريعاً من تطور عسكري إلى صدمة مالية للأسواق.

هرمز يعيد تشكيل حسابات النقل

المتابعون في الأسواق لا يراقبون الآن فقط حجم الإنتاج الإيراني، بل قدرة الناقلات على العبور عبر المنطقة بأكملها. وقد أدت التطورات الأخيرة إلى تراجع حركة الشحن عبر المضيق وارتفاع مخاطر النقل البحري، بعد أن لوّحت إيران بمزيد من القيود على المرور.

وهذا يعني أن الأزمة المحتملة لا تقتصر على برميل واحد من الخام، بل تشمل الوصول إلى النفط ونقله وتأمينه وتسليمه. فالخام المخزون لا يؤدي وظيفته الاقتصادية إذا أصبح نقله إلى المشترين بطيئاً أو شديد الخطورة أو مكلفاً.

ومن ثم يصبح رفع أقساط التأمين البحري عن تكلفة الحرب جزءاً من تسعير البرميل.

أوبك+ تختار الترقّب

في هذا السياق قررت مجموعة أوبك+ خلال اجتماعها في السادس من سبتمبر الإبقاء على سياسة الإنتاج لشهر أكتوبر دون تعديل فوري، بدلاً من ضخ كميات إضافية لتهدئة السوق.

يحمل هذا القرار رسالة حذرة: المنتجون يفتقرون إلى الرغبة في تعديل الحصص سريعاً استناداً إلى ارتفاعات قد تكون مدفوعة جزئياً بالمخاوف، كما أن زيادة الحصص الاسمية لا تضمن وصول حجماً مماثلاً من البراميل فعلياً إلى السوق.

وتُظهر بيانات الإنتاج وجود فجوات بين بعض الأهداف المعلنة والإنتاج الفعلي، فيما يتجه الانتباه أيضاً إلى إعادة تقييم قدرات الدول الأعضاء قبل إعلان حصص 2027. لذلك بدا أن أوبك+ فضّلت مراقبة تطورات الصدمة بدلاً من محاولة احتوائها فوراً، مع الإشارة إلى أن تحول المخاطر الجيوسياسية إلى فقدان مستمر للإمدادات قد يغيّر هذا الحساب بسرعة.

مخزونات الولايات المتحدة لا تمنح طمأنينة كاملة

يزيد من حساسية المشهد وضع مخزونات الوقود الأميركية. بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أظهرت أن مخزونات الخام انخفضت بمقدار 4.5 ملايين برميل في الأسبوع المنتهي في 28 أغسطس إلى نحو 424.5 مليون برميل، في ظل نشاط قوي للمصافي وارتفاع الصادرات. كما تراجعت مخزونات البنزين، بينما بقيت مخزونات المقطرات في بعض المناطق، وخصوصاً الساحل الشرقي، عند مستويات منخفضة للغاية.

وفي الوقت نفسه، وصلت أسعار الديزل الأميركية إلى مستويات قياسية، مع ضغوط مرتبطة باضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وهجمات أوكرانية على مصافي روسية، مما يقلل قدرة السوق على استيعاب أي تهديد جديد بهدوء.

كلما كانت مخزونات المنتجات منخفضة، قلت المسافة الفاصلة بين صدمة في الأسواق العالمية وارتفاع ملموس في أسعار الوقود للمستهلك.

الأثر يمتد إلى الشحن والصناعة والاستهلاك

تأثير ارتفاع أسعار النفط لا يقتصر على محطات الوقود فحسب. الأثر الأولي يظهر في تكاليف النقل البري والجوي والبحري، وفي القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، ثم ينتقل تدريجياً عبر سلسلة التوريد.

شركة الشحن قد تواجه فاتورة وقود وتأمين أعلى، والمصنع يدفع أكثر للطاقة والنقل، والمستورد يتحمل تكاليف إضافية لوصول البضائع، وفي نهاية السلسلة ينعكس ذلك على تسعير التاجر للسلع. لذلك قد تؤدي زيادات مستمرة في أسعار الطاقة إلى ضغوط تضخمية أوسع حتى لو لم يكن النفط مُكوّناً مباشراً في المنتج النهائي.

وقد بدت هذه المخاوف بالفعل تفرض ضغوطاً على الأسواق العالمية، مع تجدد القلق من التضخم وإمكانية إبقاء البنوك المركزية لسياستها النقدية أكثر تشدداً.

إشارات أقوى في أسواق المشتقات والمنتجات المكررة

قد لا تكون أخطر علامة في السوق موجودة في خام برنت نفسه، بل في ارتفاعات أقوى لبعض المنتجات المكررة، بفعل أضرار لمصافي في روسيا والشرق الأوسط واضطراب حركة الناقلات.

تقديرات نقلتها رويترز تشير إلى أن إمدادات زيت الوقود المستخدم في السفن ومحطات الكهرباء قد تواجه عجزاً بنحو 218 ألف برميل يومياً خلال الربع الثالث، بينما انخفضت صادرات زيت الوقود من الشرق الأوسط بين مارس وأغسطس بنحو 45% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

وهذا مؤشر مهم لأن نقص المنتجات المكررة قد يرفع تكاليف النقل حتى لو بقيت إمدادات الخام العالمية متاحة. بمعنى آخر، يمكن ألا ينقطع النفط، لكن يصبح تحويله ونقله واستخدامه أكثر تكلفة بكثير.

انعكاسات أوسع على الأسواق المالية

صدمة الطاقة لم تقتصر على أسواق النفط؛ فقد تعرضت الأسهم لضغوط مع تزايد المخاوف من التضخم، بينما واجهت عملات الدول المستوردة للطاقة ضغوطاً. في الهند مثلاً، وفق متعاملين، تدخل البنك المركزي لدعم الروبية مع اقتراب برنت من أعلى مستوياته في ستة أسابيع.

وفي الخليج أصبحت أسواق الأسهم أكثر حساسية لأي خبر عن إيران أو هرمز أو منشآت الطاقة، مع تباين أداء البورصات في المنطقة تحت وطأة التصعيد. هذه التحركات تشير إلى أن الأزمة امتدت بالفعل إلى ما هو أبعد من عقود النفط الآجلة.

ما الذي يمكن تأكيده؟

FACT: خام برنت بلغ أعلى مستوى له في ستة أسابيع وتجاوز خلال الجلسة 98 دولاراً قبل أن يتداول قرب 97 دولاراً، بينما اقترب الخام الأميركي من 93 دولاراً.

FACT: التصعيد الأميركي الإيراني والتهديدات المرتبطة بالملاحة والطاقة كانا من العوامل الرئيسية وراء ارتفاع الأسعار.

FACT: أوبك+ أبقت سياسة إنتاج أكتوبر دون تغيير.

FACT: أسواق الوقود الأميركية تعاني مخزونات محدودة في بعض المنتجات، بينما وصلت أسعار الديزل إلى مستويات قياسية.

ANALYSIS: لا يمكن حتى الآن مساواة ارتفاع السعر بحجم انقطاع فعلي في الإمدادات. جزء مهم من الحركة الحالية هو تسعير لاحتمال أن تصبح الأزمة أسوأ.

هل 97 دولاراً نهاية الطريق؟

المحور الذي سيحدد اتجاه النفط لاحقاً ليس مستوى برنت الحالي عند 97 أو 98 دولاراً، بل ما إذا كانت المخاوف ستتطور إلى فقدان طويل ومستمر للإمدادات أو تعطيل متواصل للملاحة.

إذا ظلت المواجهات محدودة واستمرت الناقلات في العبور، فقد تنحسر علاوة المخاطر بسرعة. أما إذا اتسعت الهجمات على السفن أو منشآت الطاقة وتشددت القيود في هرمز، فسينتقل السوق من تسعير الخوف إلى تسعير النقص الفعلي.

وقد أشار محللون لدى غولدمان ساكس إلى سيناريو قد يدفع النفط نحو 120 دولاراً للبرميل إذا تواصلت الهجمات على حركة الشحن وأدت إلى اضطرابات أعمق.

الاقتصاد العالمي يقرأ الحرب هذه المرة عبر البرميل: وكلما اقترب الخطر من ناقلات النفط وممرات الخليج، أصبحت المسافة أقصر بين الصاروخ والتضخم، وبين المعركة وفاتورة المستهلك.

Exit mobile version